فصل: الآية رقم ‏(‏11‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة الإسراء

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ‏}‏

يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ولا رب سواه، ‏{‏الذي أسرى بعبده‏}‏ يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم، ‏{‏ليلا‏}‏‏:‏ أي في جنح الليل، ‏{‏من المسجد الحرام‏}‏‏:‏ وهو مسجد مكة ‏{‏إلى المسجد الأقصى‏}‏ قال الحافظ السهيلي‏:‏ قوله عزَّ وجلَّ ‏{‏إلى المسجد الأقصى‏}‏‏:‏ يعني بيت المقدس، وهو إيليا، ومعنى إيليا - بيت اللّه - ‏{‏وباركنا حوله‏}‏ - يعني الشام - والشام بالسريانية‏:‏ الطيب، فسميت بذلك لطيبها وخصبها، وبيت المقدس بناه سليمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام قد ابتدأ مبناه فأكمله ابنه سليمان عليه السلام، واسمه‏:‏ إيلياء، وتفسيره بالعربية‏:‏ بيت اللّه، ذكره البكري، وقال الطبري‏:‏ كان داود عليه السلام قد همَّ ببنيانه فأوحى اللّه تعالى إليه ‏(‏إنما يبنيه ابن لك طاهر اليد من الدماء‏)‏، وفي الصحيح أنه وضع للناس بعد البيت الحرام، بأربعين سنة، وهذا يدل على أنه قد كان بني أيضاً في إسحاق ويعقوب عليهما السلام، ولكن بنيانه على التمام وكمال الهيئة كان على عهد سليمان عليه السلام وهو بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏الذي باركنا حوله‏}‏‏:‏ أي في الزروع والثمار، ‏{‏لنريه‏}‏‏:‏ أي محمداً ‏{‏من آياتنا‏}‏‏:‏ أي العظام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏، ‏{‏إنه هو السميع البصير‏}‏ أي السميع لأقوال عباده البصير بهم، فيعطي كلاً منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة‏.‏

 ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء

قال الإمام البخاري، عن أنَس بن مالك، يقول‏:‏ ليلة أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مسجد الكعبة، إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم‏:‏ أيهم هو‏؟‏ فقال أوسطهم‏:‏ هو خيرهم، فقال آخرهم‏:‏ خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم، حتى أتوه ليلة أُخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيماناً وحمكة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا‏؟‏ فقال‏:‏ جبريل، قالوا‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال معي محمد، قالوا‏:‏ وقد بعث إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قالوا‏:‏ فمرحباً به وأهلاً، يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد اللّه به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم، فقال‏:‏ مرحباً وأهلاً بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال‏:‏ ما هذان النهران يا جبريل‏؟‏‏(‏ قال‏:‏ هذان النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء

فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا‏؟‏ قال جبريل، قالوا‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى اللّه عليه وسلم، قالوا‏:‏ وقد بعث إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قالوا‏:‏ مرحباً به وأهلاً‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك‏.‏ ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام اللّه تعالى، فقال موسى‏:‏ رب لم أظن أن ترفع علي أحداً‏.‏

ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللّه عزَّ وجلَّ، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى اللّه إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتسبه موسى فقال‏:‏ يا محمد، ماذا عهد إليك ربك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة‏)‏ قال إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس، فقال وهو في مكانه‏:‏ ‏(‏يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا‏(‏، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال‏:‏ يا محمد واللّه لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال‏:‏ ‏(‏يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنه، فقال الجبار تبارك وتعالى‏:‏ يا محمد‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏لبيك وسعديك‏)‏، قال‏:‏ إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال‏:‏ كيف فعلت‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها‏)‏، قال موسى‏:‏ قد واللّه راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يا موسى قد واللّه استحييت من ربي عزَّ وجلَّ مما اختلف إليه‏)‏ قال فاهبط باسم اللّه‏.‏ قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام، هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد‏.‏

وقد قال الحافظ البيهقي‏:‏ في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه صلى اللّه

عليه وسلم رأى اللّه عزّ وجلّ، يعني قوله‏:‏ ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى‏.‏ قال‏:‏ وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح‏.‏ وهذا الذي قاله البيهقي رحمه اللّه في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال‏:‏ يا رسول

اللّه هل رأيت ربك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نور أنى أراه‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏رأيت نوراً‏)‏‏:‏ أخرجه مسلم، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا‏.‏

وقال الإمام أحمد، عن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أتيت بالبراق وهو دابة، أبيض، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل‏:‏ أصبت الفطرة، قال‏:‏ ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل، فقيل له من أنت، قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد ارسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل له‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل له‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، فقيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، فقيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد بعث إليه‏.‏ ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ورفعناه مكانا عليا‏}‏، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، فقيل‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، فقيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، فقيل‏:‏ قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفح جبريل، فقيل‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، فقيل‏:‏ وقد بعث إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى عليه السلام، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفح جبريل، فقيل‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، فقيل‏:‏ وقد بعث إليه‏؟‏ قال‏:‏ قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه‏.‏

ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر اللّه ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق اللّه تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها، قال‏:‏ فأوحى اللّه إليّ ما أوحى، وقد فرض عليّ في كل يوم وليلة، خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال‏:‏ ما فرض ربك على أمتك‏؟‏ قلت‏:‏ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخيرتهم، قال فرجعت إلى ربي فقلت‏:‏ أي رب خفف عن أمتي، فحط عني خمساً، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال‏:‏ ما فعلت، فقلت‏:‏ قد حط عني خمساً، فقال‏:‏ إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال، فلم أزل أرجع إلى ربي وبين موسى، ويحط عني خمساً خمساً حتى قال‏:‏ يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت له سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت‏)‏

عن أنَس بن مالك قال‏:‏ لما جاء جبريل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالبراق فكأنها حركت ذنبها، فقال لها جبريل‏:‏ مه يا براق اللّه فواللّه ما ركبك مثله، وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذه يا جبريل‏؟‏‏(‏ قال‏:‏ سر يا محمد‏.‏ قال، فسار ما شاء اللّه أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق، فقال‏:‏ هلم يا محمد، فقال له جبريل‏:‏ سر يا محمد، فسار ما شاء اللّه أن يسير، قال فلقيه خلق من خلق اللّه، فقالوا‏:‏ السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل‏:‏ اردد السلام يا محمد، فرد السلام، ثم لقيه الثانية، فقال له مثل مقالته الأولى، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الخمر والماء واللبن، فتناول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل‏:‏ أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت ولغويت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام، فأمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة‏.‏ ثم قال له جبريل‏:‏ أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو اللّه إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ‏"‏أخرجه ابن جرير ورواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة، وفي بعض ألفاظه غرابة‏"‏‏.‏

يتبع

تابع ‏{‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

‏"‏رواية عن أنَس بن مالك عن مالك بن صعصعة‏"‏

قال الإمام أحمد، عن أنَس بن مالك‏:‏ أن مالك بن صعصعة حدثه، أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري بي قال‏:‏ ‏(‏بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجعاً إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه‏:‏ الأوسط بين الثلاثة، قال‏:‏ فأتاني فشقّ ما بين هذه إلى هذه‏)‏، أي من ثغرة نحره إلى شعرته، ‏(‏فاستخرج قلبي، قال‏:‏ فأتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة، فغسل قلبي ثم حشا ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض‏)‏ قال، فقال الجارود‏:‏ هو البراق يا أبا حمزة‏؟‏ قال‏:‏ نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه، قال‏:‏ ‏(‏فحملت عليه فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل‏:‏ من هذا، قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أوقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقيل‏:‏ مرحباً به

ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ فففتح لنا، فلما خلصت فإذا فيها آدم عليه السلام، قال‏:‏ هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ فقال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة، قال هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، قال‏:‏ فسلمت فردا السلام،

ثم قالا‏:‏ مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل‏:‏

من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت إذا يوسف عليه السلام، قال‏:‏ هذا يوسف، قال‏:‏ فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إدريس عليه السلام، قال‏:‏ هذا إدريس، قال‏:‏ فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت فإذا هارون عليه السلام، قال‏:‏ هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏

نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام، قال‏:‏ هذا موسى عليه السلام فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال‏:‏ فلما تجاوزته بكى، قيل له، ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، قال‏:‏ ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح،

قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ أو قد بعث إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال‏:‏ ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام، قال‏:‏ هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، قال‏:‏ ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال‏:‏ هذه سدرة المنتهى، قال‏:‏ وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، قال‏:‏ ثم رفع إليّ البيت المعمور‏.‏

قال قتادة‏:‏ وحدثنا الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألفاً ثم لا يعودون فيه، ثم رجع إلى حديث أنَس، قال‏:‏ ‏(‏ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال‏:‏ فأخذت اللبن، قال‏:‏ هذه الفطرة أنت عليها وأمتك، قال‏:‏ ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم، قال‏:‏ فنزلت حتى أتيت موسى، فقال‏:‏ ما فرض ربك على أمتك‏؟‏ قال، قلت‏:‏ خمسين صلاة كل يوم، قال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال‏:‏ فرجعت فوضع عني عشراً، قال‏:‏ فرجعت إلى موسى، فقال‏:‏ بم أُمرت‏؟‏ قلت‏:‏ بأربعين صلاة كل يوم، قال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال‏:‏ فرجعت فوضع عني عشراً أُخر، فرجعت إلى موسى، فقال‏:‏ بم أمرت، فقلت‏:‏ أمرت بثلاثين صلاة، قال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال‏:‏ فرجعت فوضع عني عشراً أُخر، فرجعت إلى موسى فقال‏:‏ بم أمرت‏؟‏ قلت‏:‏ بعشرين صلاة كل يوم، فقال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع العشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال‏:‏ فرجعت فوضع عني عشراً أُخر، فرجعت إلى موسى فقال‏:‏ بم أمرت‏؟‏ فقلت‏:‏ أمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع العشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال‏:‏ فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال‏:‏ بم أمرت‏؟‏ فقلت‏:‏ أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع الخمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال، قلت‏:‏ قد سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم‏.‏ فنفذت، فنادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد ورواه الشيخان من حديث قتادة بنحوه‏"‏‏.‏

يتبع‏.‏‏.‏‏.‏

تابع ‏{‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

‏"‏رواية أنَس عن أبي ذر‏"‏

قال البخاري، عن أنَس بن مالك قال‏:‏ كان أبو ذر يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء‏:‏ افتح، قال‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قال‏:‏ هل معك أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم معي محمد صلى اللّه عليه وسلم، فقال‏:‏ أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم فلما فتح علونا لسماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال‏:‏ مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال‏:‏ قلت جبريل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانيه، فقال لخازنها‏:‏ افتح، فقال له خازنها مثل ما قال له الأول ففتح‏(‏، قال أنَس‏:‏ فذكر أنه قد وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت

كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة‏.‏ قال أنَس‏:‏ فلما مر جبريل والنبي صلى اللّه عليه وسلم بإدريس، قال‏:‏ مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ إدريس، ثم مر بموسى فقال‏:‏ مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت‏:‏ من هذا، قال‏:‏ هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال‏:‏ مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم، فقال‏:‏ مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا إبراهيم، قال الزهري‏:‏ فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام‏)‏ قال ابن حزم وأنَس بن مالك، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ففرض اللّه على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى عليه السلام، فقال‏:‏ ما فرض اللّه على أمتك‏؟‏ قلت‏:‏ فرض خمسين صلاة، قال موسى‏:‏ فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت‏:‏ وضع شطرها، فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها فرجعت إليه، فقال‏:‏ ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال‏:‏ هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال‏:‏ ارجع إلى ربك، قلت قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك‏)‏ ‏"‏هذا لفظ البخاري في كتاب الصلاة، ورواه مسلم في كتاب الإيمان بنحوه‏"‏‏.‏

عن جابر بن عبد اللّه، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلَّى اللّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأخرجه الشيخان‏"‏‏.‏ عن ابن شهاب قال‏:‏ سمعت سعيد بن المسيب يقول‏:‏ إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى، وأنه أتي بقدحين قدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما ثم أخذ قدح اللبن، فقال جبريل‏:‏ أصبت هديت للفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك، ثم رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة فأخبر أنه أسري به فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه،‏.‏ وقال ابن شهاب‏:‏ قال أبو سلمة بن عبد الرحمن‏:‏ فتجهز - أو كلمة نحوها - ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا‏:‏ هل لك في صاحبك‏؟‏ يزعم أنه جاء بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ أو قال ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا‏:‏ فتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح‏؟‏ قال‏:‏ نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، قال أبو سلمة‏:‏ فبها سمي أبو بكر الصدّيق‏.‏ قال أبو سلمة‏:‏ فسمعت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما يحدث، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى اللّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه‏)‏ ‏"‏أخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب‏"‏‏.‏

‏"‏رواية شداد بن أوس‏"‏

روى الإمام الترمذي، عن جبير بن نفير، عن شداد بن أوس قال، قلنا‏:‏ يا رسول اللّه، كيف أسري بك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض - أو قال بيضاء - فوق الحمار ودون البغل، فقال‏:‏ اركب، فاستصعب علي، فرازها بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى بلغنا أرضاً

ذات نخل فأنزلني، فقال‏:‏ صلِّ، فصليت، ثم ركبت، فقال‏:‏ أتدري أين صليت‏؟‏ قلت‏:‏ اللّه أعلم، قال‏:‏ صليت بيثرب، صليت بطيبة، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها عند منتهى طرفها، ثم بلغنا أرضاً، قال‏:‏ انزل، ثم قال‏:‏ صلِّ، فصلَّيت، ثم ركبنا، فقال‏:‏ أتدري أين صليت‏؟‏ قلت‏:‏ اللّه أعلم، قال‏:‏ صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصور، فقال‏:‏ انزل فنزلت، فقال‏:‏ صلِّ، فصلَّيت، ثم ركبنا، فقال‏:‏ أتدري أين صليت‏؟‏ قلت‏:‏ اللّه أعلم، قال‏:‏ صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى بن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء اللّه، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إليّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما ثم هداني اللّه عزَّ وجلَّ فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثوات له، فقال‏:‏ أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى، ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي، قلت‏:‏ يا رسول اللّه كيف وجدتها‏؟‏ قال‏:‏ وجدتها مثل الحمة السنخة، ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم، فقال بعضهم‏:‏ هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر رضي اللّه عنه، فقال‏:‏ يا رسول اللّه أين كنت الليلة فقد التمستك في منامك، فقد علمت أنك أتيت بيت المقدس الليلة، فقال يا رسول اللّه إنه مسيرة شهر فصفه لي، قال‏:‏ ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يألني عن شيء إلا أنبأته، فقال أبو بكر‏:‏ أشهد أنك لرسول اللّه، وقال المشركون‏:‏ انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة‏!‏ قال، فقال‏:‏ إن من آية ما أقول لكم إني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم فجمعه لهم فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار، حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏رواه الترمذي والبيهقي وقال‏:‏ إسناده صحيح، قال ابن كثير‏:‏ وهذا الحديث مشتمل على ما هو صحيح كما قال البيهقي، وعلى ما هو منكر كالصلاة في بيت المقدس، وسؤال الصدّيق عن نعت بيت المقدس‏"‏‏.‏

قال البيهقي، عن قتادة عن أبي العالية، قال‏:‏ حدثنا ابن عمر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس‏(‏، وأري مالكاً خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن اللّه إياه، قال‏:‏ ‏{‏فلا تكن في مرية من لقائه‏}‏، فكان قتادة يفسرها أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام، ‏{‏وجعلناه هدى لبني إسرائيل‏}‏ قال‏:‏ جعل موسى هدى لبني إسرائيل ‏"‏رواه البيهقي ومسلم وأخرجاه عن قتادة مختصراً‏"‏عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لما كان ليلة أسري بي فأصحبت بمكة، عرفت أن الناس مكذبي‏)‏ فقعد معتزلاً حزيناً، فمرّ به عدّو اللّه أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ‏:‏ هل كان من شيء‏؟‏ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إني أسري بي الليلة‏)‏، قال‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إلى بيت المقدس‏)‏ قال‏:‏ ثم أصبحت بين ظهرانينا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، قال‏:‏ فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، قال‏:‏ أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، فقال‏:‏ يا معشر بني كعب بن لؤي، قال، فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال‏:‏ حدّث قومك بما حدثتني‏.‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني أسري بي الليلة‏)‏، فقالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إلى بيت المقدس‏)‏، قالوا‏:‏ ثم أصبحت بين ظهرانينا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏ قال، فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب، قالوا‏:‏ وتستطيع أن تنعت لنا المسجد‏؟‏ وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال‏:‏ فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه، قال‏:‏ وكان مع هذا نعت لم أحفظه، قال، فقال القوم‏:‏ أما النعت فواللّه لقد أصاب فيه‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد والبيهقي والنسائي‏"‏‏.‏

وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام - فنعته فإذا هو رجل حسبته قال‏:‏ مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، قال‏:‏ ولقيت عيسى - فنعته النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حمام، قال‏:‏ ولقيت إبراهيم وأشبه ولده به، قال‏:‏ وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي‏:‏ خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي‏:‏ هديت الفطرة، - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك‏)‏ وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه اللّه إلي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة،

وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل‏:‏ يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت إليه فبدأني بالسلام‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه‏"‏‏.‏

قال ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق، فإذا رعد وبرق وصواعق، قال‏:‏ وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء آكلوا الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب‏)‏ ‏"‏ورواه الإمام أحمد وابن ماجه‏"‏‏.‏

يتبع‏.‏‏.‏‏.‏

تابع ‏{‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

 فصل

وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، قال الزهري‏:‏ كان الإسراء قبل الهجرة والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً على البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتيهما صلى اللّه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي أقلام القدر، بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر اللّه تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق‏.‏ ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخليل يأتي الكعبة الأرضية مسنداً ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة‏.‏ ورأى الجنة والنار وفرض اللّه عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مرّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق، لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء اللّه تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوته من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس واللّه سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

ثم اختلف الناس  هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أم بروحه فقط‏؟‏

على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى قبل ذلك مناماً ثم رآه بعد ذلك يقظة لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله‏}‏‏.‏ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة مما كان قد أسلم‏.‏ وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال‏:‏ ‏{‏أسرى بعبده ليلا‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}قال ابن عباس‏:‏ هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقزم ‏"‏رواه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‏"‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ما زاغ البصر وما طغى‏}‏، والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضاً فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه واللّه أعلم‏.‏ وقال آخرون‏:‏ بل أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بروحه لا بجسده وقد تعقبه أبو جعفر ابن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن‏.‏

 فائدة

وقد ذكر حديث الإسراء، من طريق أنَس، وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء، عن عمر ابن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأُبي بن كعب، وعبد اللّه بن عمرو، وجابر، وحذيفة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة، وأسماء رضي اللّه عنهم أجمعين، منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة الملحدون ‏{‏يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم واللّه متم نوره ولو كره الكافرون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 2 ‏:‏ 3 ‏)‏

‏{‏ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ‏.‏ ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ‏}‏

لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلى اللّه عليه وسلم، عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضاً، فإنه تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من اللّه الصلاة والسلام، وبين ذكر التوراة والقرآن، ولهذا قال بعد ذكر الإسراء‏:‏ ‏{‏وآتينا موسى الكتاب‏}‏ يعني التوراة، ‏{‏وجعلناه‏}‏ أي الكتاب، ‏{‏هدى‏}‏ أي هادياً ‏{‏لبني إسرائيل ألا تتخذوا‏}‏ أي لئلا تتخذوا، ‏{‏من دوني وكيلا‏}‏ أي ولياً ولا نصيراً ولا معبوداً دوني، لأن اللّه تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له، ثم قال‏:‏ ‏{‏ذرية من حملنا مع نوح‏}‏ تقديره‏:‏ يا ذرية من حملنا مع نوح‏!‏ فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم ‏{‏إنه كان عبدا شكورا‏}‏ فاذكروا نعمتي عليكم بإرسالي أليكم محمداً صلى اللّه عليه وسلم، وقد ورد في الأثر‏:‏ أن نوحاً عليه السلام كان يحمد اللّه على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبداً شكوراً‏.‏ قال الطبراني، عن سعد بن مسعود الثقفي قال‏:‏ إنما سمي نوح عبداً شكوراً لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد اللّه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إن اللّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد اللّه عليها‏)‏ ‏"‏رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي‏"‏‏.‏ وفي حديث الشفاعة، عن أبي هريرة مرفوعاً، قال‏:‏ ‏(‏فيأتون نوحاً، فيقولون‏:‏ يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك اللّه عبداً شكوراً فاشفع لنا إلى ربك‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري في حديث الشفاعة عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 8‏)‏

‏{‏ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ‏.‏ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ‏.‏ ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ‏.‏ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ‏.‏ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ‏}‏

يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً، أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقضينا إليه الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين‏}‏ أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا جاء وعد أولاهما‏}‏ أي أولى الإفسادتين ‏{‏بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد‏}‏ أي سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، ‏{‏فجاسوا خلال الديار‏}‏ أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ووسطها ذاهبين وجائين لا يخافون أحداً، ‏{‏وكان وعدا مفعولا‏}‏‏.‏ وقد اختلف المفسرون في هؤلاء المسلطين عليهم من هم‏؟‏ فعن ابن عباس وقتادة‏:‏ أنه جالوت وجنوده سلط عليهم أولاً ثم أديلوا عليه بعد ذلك؛ وقتل داود جالوت، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثم رددنا لكم الكرة عليهم‏}‏ الآية‏.‏ وعن سعيد بن جبير وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل‏.‏ وقد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط اللّه عليهم عدّوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقاً ‏{‏وما ربك بظلام للعبيد‏}‏، فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء‏.‏ وقد روى ابن جرير، عن يحيى بن سعيد قال‏:‏ سمعت سعيد بن المسيب يقول‏:‏ ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم ما هذا الدم‏؟‏ فقالوا‏:‏ أدركنا آباءنا على هذا، قال‏:‏ فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم، فسكن‏.‏ وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور‏.‏ وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته واللّه أعلم‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها‏}‏ أي فعليها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ قال مجاهد‏:‏ بعث عليهم بختنصر في الآخرة، كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏عبادا لنا‏}‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ بعث اللّه عليهم جالوت، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي العجائب للكرماني‏:‏ قيل هم سنحاريب وجنوده‏.‏ وقيل‏:‏ العمالقة، وقيل‏:‏ قوم مؤمنون أي الكرة الآخرة، أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ‏{‏ليسوءوا وجوهكم‏}‏‏:‏ أي يهينوكم ويقهروكم، ‏{‏وليدخلوا المسجد‏}‏ أي بيت المقدس ‏{‏كما دخلوه أول مرة‏}‏‏:‏ أي في التي جاسوا فيها خلال الديار، ‏{‏وليتبروا‏}‏‏:‏ أي يدمروا ويخربوا ‏{‏ما علوا‏}‏ أي ما ظهروا عليه ‏{‏تتبيرا * عسى ربكم أن يرحمكم‏}‏‏:‏ أي فيصرفكم عنكم، ‏{‏وإن عدتم عدنا‏}‏ أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا‏}‏ أي مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد عنه‏.‏ قال ابن عباس ‏{‏حصيرا‏}‏ أي

سجناً‏.‏ وقال الحسن‏:‏ فراشاً ومهاداً، وقال قتادة‏:‏ قد عاد بنو إسرائيل فسلط اللّه عليهم هذا الحي محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏

 الآية رقم ‏(‏9 ‏:‏ 10‏)‏

‏{‏ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ‏.‏ وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ‏}‏

يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو القرآن، بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل، ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه أن لهم أجراً كبيراً أي يوم القيامة، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة‏:‏ أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن لهم عذاباً أليماً، أي يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فبشرهم بعذاب أليم‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏11‏)‏

‏{‏ ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ‏}‏

يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، أي بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو يعجل اللّه للناس الشر‏}‏ الآية‏.‏ وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في الحديث‏:‏ ‏(‏لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من اللّه ساعة إجابة يستجيب فيها ‏"‏أخرجه أبو داود عن جابر، بتغيير وزيادة‏"‏‏(‏ وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكان الإنسان عجولا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏12‏)‏

‏{‏ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ‏}‏ يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجازات وغير

ذلك، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لتبتغوا فضلا من ربكم‏}‏‏:‏ أي في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ‏{‏ولتعلموا عدد السنين والحساب‏}‏، فإنه لو كان الزمان كله نسقاً واحداً وأسلوباً متساوياً لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل أرأيتم إن جعل اللّه عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير اللّه يأتيكم بضياء‏؟‏ أفلا تسمعون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وله اختلاف الليل والنهار‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم‏}‏، ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج‏}‏ الآية‏.‏ قال ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير في

قوله‏:‏ ‏{‏فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة‏}‏ قال‏(‏ ظلمة الليل وسدف النهار، وعن مجاهد‏:‏ الشمس آية النهار، والقمر آية الليل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏وجعلنا الليل والنهار آيتين‏}‏ قال‏:‏ ليلاً ونهاراً، كذلك خلقهما اللّه عزَّ وجلَّ‏.‏

 الآية رقم ‏(‏13 ‏:‏ 14‏)‏

‏{‏ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ‏.‏ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ‏}‏

يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم ‏{‏وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه‏}‏، وطائره‏:‏ هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما‏:‏ من خير وشر، ويلزم به ويجازى عليه، ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ لديه من قول إلا لديه رقيب عتيد‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون‏}‏، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساء، وقال الإمام أحمد عن جابر سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لطائر كل إنسان في عنقه‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا‏}‏ أي نجمع له عمله كله في كتاب، يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيداً، أو بشماله إن كان شقياً ‏{‏منشورا‏}‏ أي مفتوحاً يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ‏{‏ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا‏}‏ أي إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئاً مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي، وقوله‏:‏ ‏{‏ألزمناه طائره في عنقه‏}‏ إنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة‏:‏ يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب جل جلاله‏:‏ اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر وإسناده قوي جيد كذا قال ابن كثير‏"‏، وقال معمر عن قتادة ‏{‏ألزمناه طائره في عنقه‏}‏ قال‏:‏ عمله، ‏{‏ونخرج له يوم القيامة‏}‏ قال‏:‏ نخرج ذلك العمل ‏{‏كتابا يلقاه منشورا‏}‏ قال معمر‏:‏ وتلا الحسن البصري ‏{‏عن اليمين وعن الشمال قعيد‏}‏ يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً ‏{‏اقرأ كتابك‏}‏ الآية‏.‏ فقد عدل واللّه من جعلك حسيب نفسك، هذا من أحسن كلام الحسن رحمه اللّه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏15‏)‏

‏{‏ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ‏}‏

يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى أثر النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، ‏{‏ومن ضل‏}‏ أي عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏"‏أخرج ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت‏:‏ سألت خديخة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال‏:‏ هم من آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال‏:‏ اللّه أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت الآية‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ وقال‏:‏ هم على الفطرة - أو قال في الجنة - كما في اللباب‏"‏أي لا يحمل أحد ذنب أحد‏؟‏ ولا يجني جان إلا على نفسه‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء‏}‏، ولا منافاة بين هذا وبين قوله‏:‏ ‏{‏وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم‏}‏ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في

أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا، وهذا من عدل اللّه ورحمته بعباده، وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا‏}‏ إخبار عن عدله تعالى؛ وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏وقال لهم خزنتها‏:‏ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن اللّه تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه‏.‏

 مسْألة

بقي ههنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم اللّه تعالى فيها قديماً وحديثاً، هي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم‏!‏ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته‏.‏ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون اللّه وتوفيقه، ثم نذكر فصلاً ملخصاً من كلام الأئمة في ذلك واللّه المستعان‏.‏ فالحديث الأول ‏:‏ رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أربعة يحتجون يوم القيامة‏:‏ رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة‏.‏ فالأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول‏:‏ رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول‏:‏ رب ما أتاني لك رسول‏.‏ فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت برداً وسلاماً‏)‏ الحديث الثاني ‏:‏ عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه قال‏:‏ سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أطفال المسلمين، قال‏:‏ ‏(‏هم مع آبائهم‏)‏، وسئل عن أولاد المشركين فقال‏:‏ ‏(‏هم مع آبائهم‏)‏، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه ما يعملون‏؟‏ قال‏:‏ اللّه أعلم بهم‏)‏ ‏"‏أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي‏"‏‏.‏ الحديث الثالث ‏:‏ عن ثوبان أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عظَّم شأن المسألة قال‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون‏:‏ ربنا لم ترسل إلينا رسولاً، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم‏:‏ أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظاً وزفيراً، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون‏:‏ ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم‏:‏ ألم تزعموا أني إذا أمرتكم بأمر تطيعوني‏؟‏ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول‏:‏ اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا، وقالوا‏:‏ ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول‏:‏ ادخلوها داخرين‏)‏، فقال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏)‏لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً‏)‏ ‏"‏أخرجه الحافظ البزار في مسنده‏"‏‏.‏ الحديث الرابع ‏:‏ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء‏)‏، وفي رواية قالوا‏:‏ يا رسول اللّه أفرأيت من يموت صغيراً، قال‏:‏ ‏(‏اللّه أعلم بما كانوا عاملين‏)‏‏:‏، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام‏)‏ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه عزَّ وجلَّ أنه قال‏:‏ ‏(‏إني خلقت عبادي حنفاء‏)‏ الحديث الخامس ‏:‏ عن سمرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة‏)‏، فناداه الناس‏:‏ يا رسول اللّه وأولاد المشركين، قال‏:‏ ‏(‏وأولاد المشركين‏)‏ ‏"‏رواه الحافظ البرقاني في المستخرج على البخاري‏"‏‏.‏ وقال الطبراني عن أبي رجاء عن سمرة قال‏:‏ سألنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال‏:‏ ‏(‏هم خدم أهل الجنة‏)‏ الحديث السادس ‏:‏ عن خنساء بنت معاوية، من بني صريم قالت‏:‏ حدّثني عمي قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه من في الجنة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد‏"‏‏.‏ فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل‏:‏ هذا إبراهيم عليه السلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه وأولاد المشركين‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وأولاد المشركين‏)‏ ومنهم من جزم لهم بالنار، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏هم مع آبائهم‏)‏ ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم اللّه فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخراً وانكشف علم اللّه فيه بسابق الشقاوة‏.‏ وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها‏.‏ وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض‏.‏ وهذا القول الذي حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن أهل السنّة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏كتاب الاعتقاد‏)‏ وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد‏.‏ وقد ذكر الشيخ ابن عبد البر أن أحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء فكيف يكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، واللّه لا يكلف نفساً إلا وسعها‏.‏

والجواب عما قال‏:‏ إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، و منها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها‏.‏ وأما قوله‏:‏ إن الدار الآخرة دار جزاء فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنّة والجماعة من امتحان الأطفال‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود‏}‏ الآية‏.‏ وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون للّه يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً، كلما أراد السجود خر لقفاه‏.‏ وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها، أن اللّه يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً، ويقول اللّه تعالى‏:‏ يا ابن آدم ما أغدرك‏!‏ ثم يأذن له في دخول الجنة، وأما قوله‏:‏ فكيف يكفلهم اللّه دخول النار وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن اللّه يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم‏.‏ وأيضاً فقد ثبتت السنّة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذاك؛ وأيضاً فإن اللّه تعالى أمر بني إسرئيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها اللّه عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، واللّه أعلم‏.‏

 فصل

إذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال، أحدها ‏:‏ أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين، والقول الثاني ‏:‏ أنهم مع آبائهم في النار‏:‏ واستدل عليه بما روي عن عبد اللّه بن أبي قيس، أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هم تبع لآبائهم‏)‏ فقلت‏:‏ يا رسول اللّه بلا أعمال‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏اللّه أعلم بما كانوا عاملين‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام

أحمد‏"‏‏.‏ والقول الثالث ‏:‏ التوقف فيهم، واعتمدوا على قوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللّه أعلم بما كانوا عاملين‏)‏ وهو في الصحيحين، ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلى الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، واللّه أعلم، وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به إن شاء اللّه عزَّ وجلَّ‏.‏

 الآية رقم ‏(‏16‏)‏

‏{‏ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ‏}‏

اختلف القرّاء في قراءة قوله‏:‏ ‏{‏أمرنا‏}‏، فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل معناه‏:‏ أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمراً قدرياً، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتاها أمرنا ليلا أو نهارا‏}‏ ‏{‏قل إن اللّه لا يأمر بالفحشاء‏}‏ قالوا معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب، وقيل معناه‏:‏ أمرهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة روي هذا القول عن سعيد بن جبير وابن عباس وهو قول حسن ورأي سديد ‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت‏:‏ إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ ‏{‏أمَّرنا مترفيها‏}‏، قال ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏أمرنا مترفيها ففسقوا فيها‏}‏ يقول‏:‏ سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم اللّه بالعذاب، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلنا في كل قرية آكابر مجرميها‏}‏ الآية، وعنه قال‏:‏ أكثرنا عددهم‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏17‏)‏">

الآية رقم ‏(‏17‏)‏

‏{‏ وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ‏}‏

يقول تعالى منذراً كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم، بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله ابن عباس‏.‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام‏.‏ ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على اللّه منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا‏}‏ أي هو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية سبحانه وتعالى‏.‏